مصطفى لبيب عبد الغني
196
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
حقيقة إبطال النبوة عند الرازي : ذاع في تاريخ الفكر الإسلامي منذ نهاية القرن الثالث الهجري إبطال الرازي للنبوة فاعتبر بذلك ملحدا خارجا على أصول الاسلام . وتحددت ملامح صورة الرازي بين كبار الزنادقة إماما للهراطقة يقتدون به ويرددون تعاليمه التي ظلّت ملهمة لكل خارج علي سلطان العقيدة ! ولقد نسب إلى الرازي كتابان أدرجهما البيروني في عداد « الكفريات » وهما : « كتاب في النبوات ويدعى نقض الأديان » ، و « كتاب في حيل المتنبئين ويدعى مخاريق الأنبياء » « 1 » . وفي أوساط الشيعة الإسماعيلية بلغت الحملة على الرازي أوج عنفها وظلّ أوراها مستعمرا لأجيال متعاقبة « 2 » وموطن الخلاف بين الرازي والإسماعيلية هو في تمجيد الرازي لدور العقل في الفهم والتفسير والحكم وتأكيد فاعليته في المقام الأول علي حين تؤكد الإسماعيلية حق الأئمة المطلق في « تأويل » الحقيقة وإدراك مغزاها الباطني وفي تعليم الأتباع حقائق الوجود « تلقينا » هو أشبه ما يكون استمرارا لوظيفة الوحي . وعلى حين يجعل الرازي مهمة الخلاص منوطة بالتفلسف الذي هو حظ مشترك بين كافة البشر فإن الإسماعيلية تحصر هذه المهمة في نطاق خصوصية الأئمة المصطفين الذين بوسعهم - دون سواهم - إيقاظ الأنفس من غفوتها والقضاء على حيرتها وغربتها وإرشادها إلى طريق الخلد وجنة المأوى . ولم يكن الخلاف بين الرازي والإسماعيلية في حقيقته خلافا بين « العقلانية » و « الفكر الديني » أو الكلامي في أي صورة من صوره ، ولكنه كان بالأحرى خلافا جذريا بين روح دينية باطنية وبين إرادة معادية لكل ما تتضمنه وتمثله تلك الروح « 3 » .
--> ( 1 ) البيروني : « فهرست الرازي » ( رقم 173 ورقم 174 ) . ( 2 ) من أبرز المؤلفات الإسماعيلية - في هذا الخصوص - كتاب « أعلام النبوة » لأبى حاتم الرازي ، وكتاب « بستان العقول » لناصر خسرو ، وكتاب « الأقوال الذهبية » لحميد الدين الكرماني . ( 3 ) Corbin , H . Histoire de la philosophie Islamique , ' ' p . 200 .